ابن الجوزي
105
القصاص والمذكرين
من ذلك ضرورة اعتزال الواعظ الناس وان لا يكثر مخالطتهم وممازحتهم حتى لا تزول هيبته من نفوسهم . ومن ذلك أن يقنع بالوسط من اللباس . ومن ذلك أن يكون قدوة للناس فلا يأمرهم بشيء ثم يخالفهم إليه . ومن ذلك بيانه لكيفية الوعظ المفضلة عنده ، وطريقة الإلقاء والإشارة في أثناء الخطبة . ومن ذلك توضيحه لما ينبغي أن يكون عليه أسلوب الخطبة ، فقد أوصى الواعظ بتحسين كلامه ، وردّ على الذين يقولون : إن هذا تصنع . وقال : ولو كان تصنعا فماذا فيه ؟ وأشار إلى ضرورة الإتيان بالقصص والآيات والأحاديث ، وإلى ضرورة تقديم الأهمّ على المهمّ ، وذكر أن الميل إلى التخويف ينبغي أن يكون أكثر . ورغّب الواعظ بأن يورد أبياتا من شعر الزهد « 1 » . في هذا الكتاب ذكر لعدد كبير من الدعاة إلى اللّه وإيراد لشذرات من أقوالهم . وقد نبّه بذلك إلى الفائدة العظمى التي تتحقق بالتعريف بهم ، فالقدوة أمر عظيم ، وتراجم هؤلاء الصالحين الدعاة ومعرفة حياتهم وسيرتهم تفيد كثيرا في الحضّ على الخير والتحذير من الشر ، والإغراء باقتفاء آثارهم . وذكر المؤلف أنّ الداعية يجب أن يكون على معرفة بحياة كثير من الدعاة الذين سبقوه ، وأن يقف على تجربتهم في ميدان الدعوة إلى اللّه .
--> ( 1 ) جمع كاتب هذه السطور كتابا في أشعار الزهد . ولم يطبع حتى الأن .